مقدمة

حقّ الأشخاص ذوي الإعاقة في العيش المستقلّ في مجتمعهم هو حقّ مكرّس في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديداً في المادة 19 منها. وما زال الأشخاص ذوو الإعاقة في المنطقة العربية يواجهون حواجز كبيرة تحول دون الإعمال الكامل لحقِّهم في العيش المستقلّ والإدماج في المجتمع، على الرغم من أن جميع بلدان المنطقة قد وقّعت أو صدّقت على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. أحد الحواجز الرئيسية التي تحول دون إعمال هذا الحقّ هو ما يُعرف بممارسة الإيداع في مؤسسات الرعاية. ويشير هذا المصطلح إلى إقامة الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات سكنية طويلة الأجل لفترات طويلة من حياتهم بمعزل عن المجتمع، وغالباً ما يكون ذلك بدون رضاهم. وعادة ما تجرّد هذه الظروف الأفراد من كلّ سبيل يسهّل خروجهم من هذه المؤسسات ويضمن إدماجهم في المجتمع.

وبالنظر إلى طبيعة هذه الممارسة المتناقضة مع روح اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ظهرت دعوة وجهد عالميان للابتعاد عن المؤسسات السكنية والتوجُّه نحو أنظمة مجتمعية بديلة لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم. والهدف الكامن وراء هذا التحرّك نحو إنهاء ممارسة الإيداع في مؤسسات الرعاية هو أنّ يحقق الأشخاص ذوي الإعاقة درجة أكبر من القدرة على تقرير المصير، على نحوٍ أكثر انسجاماً مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ومن ثم يحظى الأشخاص ذوو الإعاقة بحرية اختيار المكان الذي يرغبون في العيش فيه ويتمكنون من الوصول إلى خدمات مثل التعليم، والصحة، والتدريب، والتوجيه عن طريق المراكز المجتمعية. وهذه الدعوة إلى إنهاء ممارسة الإيداع في مؤسسات الرعاية هي جزء من تحوّل أكبر في النموذج الفكري لطالما طالب به النشطاء في قضايا الإعاقة، ألا وهو التحوّل من النموذج الطبي/الخيري للإعاقة إلى نموذج اجتماعي قائم على حقوق الإنسان يعترف بالإعاقة كما تصوِّرها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بأنّها "تشكّل مفهوماً لا يزال قيد التطوّر و[...] تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص الذين لديهم قصور والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة وفعّالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين".

وعلى الرغم من أهمية العيش المستقل والإدماج في المجتمع، لا تزال ثمّة فجوات كبيرة في الأبحاث والبيانات المتعلقة بهذا الموضوع. وتُعتبر هذه الأبحاث والبيانات أساسية من أجل وضع السياسات والبرامج القائمة على الأدلة لضمان إدماج قضايا الإعاقة. ولمعالجة هذه الفجوة، أطلقت "الشبكة  العربية الأوروبية لأبحاث الإعاقة "، التي أنشأتها الإسكوا وحكومة مالطة ومُقرِّر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، دعوة لتقديم أوراق بحثية في آذار/مارس 2022 تدعو الباحثين، بمن فيهم ذوو الإعاقة، إلى تقديم أعمالهم[1]. واختارت لجنة استعراض الأقران أفضل ثماني مشاركات لتُقدَّم في مؤتمر يتناول الموضوع نفسه.

عُقد مؤتمر "الانتقال نحو العيش المستقل داخل المجتمع للأشخاص ذوي الإعاقة" في 14 و15 شباط/فبراير 2023 في بيروت، لبنان. وشارك في هذا المؤتمر الرائد أكثر من 100 مشارك  من الدول العربية والأوروبية، من مختلف الوزارات والمجالس الوطنية للإعاقة والجامعات والمؤسسات البحثية ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظمات المجتمع المدني الأخرى. وأتاحت جلسات المؤتمر فرصة مناقشة استنتاجات هذه الأوراق، بالإضافة إلى عروض تقديمية متنوّعة تناولت تجارب البلدان المختلفة في الانتقال إلى العيش المستقل والإدماج.

وتندرج الأوراق البحثية الثمانية المختارة ضمن أربعة مواضيع فرعية هي: التكنولوجيا والإدماج؛ والعيش المستقل للأطفال والطلاب؛ والحياة ما بعد الجامعة والعثور على عمل؛ ونُهُج العيش المستقل في أوروبا. ويقدّم القسم التالي لمحة عامة عن كلّ ورقة في إطار هذه المواضيع الفرعية.